محمود جابر
عجزت هيئات الأرصاد الدولية والمحلية بالتنبأ بما يحدث فى سماء فرنسا، فما يحدث فيها هو جزء من أزمة قيم، وازمة أمن، وازمة فى العلاقات الدولية، وأزمة هيكلية اقتصادية عالمية أكبر من الظاهرة الفرنسية... هى ازمة جمهور غاضب فى كل بقاع الارض وتحتل بلادنا العربية اعلى نسبة فى هذا الغضب الشعبى والقلق الاجتماعى بين شرائح الطبقات الدنيا والوسطى على وجه الخصوص .
اثبتت الوقائع الفرنسية أن الرئيس الفرنسي فقد الكثير من شعبيته، وهو اليوم يُوصف بأنه "حبيس العولمة ولا يلقي بالا للبسطاء".
مطاردة الفقراء في السياسات الاقتصادية هي وصفة للانفجار الاجتماعي، ولكن بعضهم لا يعلمون، ربما لأنها الخيار الأسهل بنظرهم.
ولعل حال الرئيس " ماكرون " وفرنسا هم أفضل كثيرا - رغم تدنى شعبية - من كل حكام بلادنا جملة وتفصيلا .
ولعل أزمة فرنسا ومعها أزمة بلادنا هى أزمة لمشروع الليبرالية المتوحشة صاحبت الرؤية الشمولية المدعومة بالإكراه العسكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي ، وهذه أزمة مستحكمة، على مستوى النظرية وعلى مستوى التطبيق وعلى مستوى الاجماع الشعبى، وهى أزمة حاول اصحابها علاجها بكل السبل والوسائل، او التعايش مع مشاكلها والهروب بها إلى الامام، ومع ذلك فقد فشلت كل تلك الحلول والمحاولات، وعلى كل اصحاب هذه النظرية والتابعين لها سياسيا واقتصاديا وثقافيا أن يستعد مرحلة أفول هذا المشروع الليبرالي الغربي ، وعلى الجميع أن يدرك أن ما يحدث فى فرنسا وفى العديد من العواصم الاوربية وفى بلادنا العربية لبس الا لحظة تجلى واضحة عن انهيار نموذج اقتصاد السوق الليبرالى الجشع وان هذا النموذج يعيش لحظة سقوطه الاخير .
ما يحدث فى فرنسا من غضب وعنف ليس مؤمرة كونية صهيونية أمريكية على فرنسا، فأصحاب هذا الطرح مكانهم الطبيعى مستشفى الامراض العقلية أو اللجان الالكترونية العربية التى تدافع عن لقمة عيشها من فتات موائد العولمة الليبرالية واقتصاد السوق ...
إن الحراك الاجتماعى الفرنسى هو نتيجة لكساد النموذج الرأسمالى، وتآكل الرأسمالية نتيجة الاحتكارات، والكساد، وما ينتج عنها من بطالة للطبقات الدنيا والوسطى، وسيطرة الاقليات الرأسمالية على الاقتصاد والاسواق، ونتيجة لهذا فإن هناك مياة تجرى تحت السطح تعبر عن حراك اجتماعى بقوة متسلحا بالعنف والغضب واحيانا بالحقد دفاعا عن لقمة عيش، وهربا من ديون وافلاس، قد يدفع مواطن مصريا على ارتكاب جريمة مأساوية في حق أولاده الثلاثة قبل أن ينتحر، أمس الخميس، بإلقاء نفسه في نهر النيل بعدما ألقى أبناءه الثلاثة !!
فهل ينتبه أحد ؟!!
وحتى لا يكون الكلام مرسلا كما يقول أحمد عز فى مقاله :
----------------------------------------------
" ففي الطور المبكر للأزمة ، بين عامي 2007 - 2008 ، شهدت منطقة اليورو والولايات المتحدة نفسها ، زيادة في المديونية بمقدار يتراوح بين 20% إلى 40% ، من الناتج المحلي الكلي ، لكن الإجراءات التي تم اتخاذها ، فاقمت مشاكل الديون ، وقد عبرت هذه الأزمة عن نفسها بقوة في عام 2008 ، حيث دمرت 18% من الإنتاج العالمي ، وأكثر من 20% من التجارة الدولية ، ودفعت معدلات النمو ، إلى مقاييس سالبة ، وأنتجت أطول فترة كساد ، في التاريخ ، وحوّلت كل دول الغرب بلا استثناء ، إلى دول مدينة ، وعلى خطوط تفاعلات الأزمة في السنوات التالية ، تبلورت ثلاثة اتجاهات واضحة ، تبدو منفصلة ، ولكنها متداخلة ، وبينها قنوات تغذية متبادلة ، كان أولها استمرار الاضطراب المالي في الولايات المتحدة الأمريكية ، وكان ثانيها مظاهر تباطؤ اقتصادي عام في آسيا ، وكان ثالثها تفاقم تداعيات أزمة الديون السيادية في أوربا"..
وحين حدث عجز للأنتاج فى مقابل زيادة التجارة ، وحين تزيد التدفقات المالية بمعدلات أكبر من التجارة، ويحدث زيادة فى عوائد التجارة أكبر من ما يقابلها فى عوائد الانتاج، واصبحت الشركات العابرة للقارات تحوز اقتصادا أكبر من اقتصاد الدول القومية بل تتحكم فيه وهذه الظاهرة تتجلى فى العالم الغربى فما هو الموقف فى دولنا العربية ؟!!
هنا عجزت الدولة القومية فى اعتمادها على الذات ولم يكن امامها من بديل سوى سوى الهرولة الى الامام نحو مزيد من اقتصاد السوق ، لمحاولة البحث عن حل حتى لو جاء على حساب الناس والخدمات الاجتماعية ، وحتى لو تحول التعليم الى تجارة ، وحتى لو صرح وزير التعليم المصرى بأن ما افسد التعليم هى المجانية - ضاربا بالدستور الذى اقسم على الحفاظ عليه عرض الحائط، وفى طريق بحث الحكومات عن تدابير مالية قد تضع اصحاب المعاشات والضمان الاجتماعى تحت نعليها الثقيل ، وفى الطريق ايضا قد تأكل فى طريقها أصحاب الرواتب الحكومية ، وتضع الملايين على قارعة الطريق عرضة لوحش البطالة ، وهو المدخل الذهبى لتآكل الطبقة الوسطى، هنا يصبح العجز فى الموازانات هو القاعدة، والحديث عن تقشف هو الحل الامثل واتهام السواد الاعظم من الناس هو المخرج ، لصالح أقلية محتكرة هو السبيل ، وهكذا أصبح النظام الاقتصادي العالمي ، يمشي على رأسه لا على قدميه ، وهكذا أيضا استبقت مضاعفات الأزمة كافة محاولات احتوائها ، لتصل إلى طور جديد كانت أهم علاماته ، هو هبوط الأزمة بكل مضاعفاتها من أعلى إلى أدنى ، من الفضاء المالي والاقتصادي إلى الواقع السياسي والاجتماعي ، من الحكومات والبورصات والبنوك إلى القواعد الاجتماعية ، ثم إلى الميادين والشوارع ، لنصبح أمام نموذج ترنح ، ثم تصدع ، ليصبح آيلا للسقوط ..
وبنفس الفاظ احمد عز حين يقول "
---------------- حين كان السعي حثيثا وإجباربا ، إلى فرض حالة عامة من التقشف ، لمواجهة عجز تتسع دوائره بشكل متعاظم في ميزانياتها ، وبينما جرى حماية الثروات الكبيرة في البنوك والشركات ، سقطت أحجار التقشف من أعلى ، على ظهور الطبقة المتوسطة ، وعلى رؤوس الطبقات الدنيا ، فقد كان العام بلا مبالغة عام مقدمات الثورة الاجتماعية الشاملة في أوربا كلها ، والتي شهدت اضطرابات ومظاهرات ، لم تشهدها في تاريخها المعاصر ، وقد امتدت مظاهر مقدمات هذه الثورة الاجتماعية ، من اليونان شرقا ، إلى أيرلندا غربا ، مرورا بفرنسا نفسها ، وإيطاليا ، وانجلترا ، وأسبانيا ، وهولندا ، وبلجيكا ، ولم تسلم ألمانيا نفسها من الظاهرة .
ايها السادة اعلموا أن الحكومات لا تحكم بأدوات الضبط الاجتماعي وحدها ، وإنما تحكم بما أطلق عليه النظام المعنوي للسطة ، وهو درجة القبول الوطني العام بها ، وعندما يتآكل النظام المعنوي للسلطة ، ثم يذوب بفعل عوامل التعرية الاقتصادية والاجتماعية ، تفقد جميع أدوات الضبط الاجتماعي تأثيرها وفاعليتها ، جزئيا ثم كليا .
إن الوجه لاخر للنظام المعنوى للسلطة هو نجاح السلطة فى صناعة الاندماج الوطني للتركيبة الاجتماعية للسكان ، وقوة الأحزاب السياسية المعبرة عن المصالح المختلفة ، ولكل هذا له ارتباط وثيق الصلة بأوضاع الطبقة الوسطى ، فإذا كانت الطبقة الوسطى ، ففي كل المجتمعات تجد هذه الطبقة هي أكثر الطبقات حرصا على الاستقرار ، وأقلها استعدادا للخروج على القانون ، فإنها في الوقت نفسه الأعلى صوتا ، والأكثر تأثيرا ، ولهذا فإن أوضاعها صعودا وهبوطا ، انفراجا أو تأزما ، تشكل أهم الروافد التي تملأ صورة النظام المعنوي للسلطة ، أو تقوم بتجريفها ، غير أن المدهش هذه المرة ، كما في حالات سابقة ، كحالة الأرجنتين وتونس ومصر ، أن هذه الطبقة التي تشكل أقل الطبقات استعداد للخروج على الشرعية ، أو اللجوء إلى أشكال من الضغط العنيف ، لتنبيه المجتمع إلى أوضاعها ، قد تقدمت صفوف الاضطراب الكبير والفوضى والصدام ، مع أن الشاهد أن أوضح الصور التاريخية لتعبير هذه الطبقة عن أزمتها ، لا يخرج عن قدر من الاحتجاج العام ، سواء أخذ شكل انسحاب من المشاركة في الحياة العامة ، أو مظاهر اضراب بيروقراطي في مجالات العمل .
هل نحن إذن ، بصدد تغيير في طبيعة تعبير الطبقة المتوسطة عن أزمتها ، يخرج عن حدود ما استقرت عليه متون علم الاقتصاد السياسي ، وعلم الاجتماع ؟
وبالعودة الى فرنسا خاصة ومنطقتنا عامة أظن أنه من الطبيعي أن تنفجر حركة عفوية تلقائية ، تتسم بقدر كبير من العنف على هذا النحو ، غير أن عفوية الحركة وعنفوانها ، هما أكثر الدلالات وضوحا ، على عمقها الجماهيري ، أن الإحصائيات الفرنسية نفسها ، تؤكد أن 50% ممن صوتوا لماكرون ، إما أنهم جزء من الحركة ، أو أنهم عبروا عن تأييدهم لها ، وإذا كان 70% من الفرنسيين ، قد ساندوا الحركة في أسبوعها الأول ، فإن 84% منهم ساندوها في أسبوعها الثاني ، وهو ما يمثل آخر استطلاع للرأي نشرته " لوفيجارو " بالتعاون مع مؤسسة " أدوسكا " وتليفزيون وراديو " فرانس إنفو " والمدهش في ذلك أن صور أعمال الشغب والعنف الصادمة ، التي رافقت الاحتجاجات الأخيرة لم تقلص دعم الفرنسيين لها ، أما الصورة التي تبدو أكثر تعبيرا عن تصدّع النموذج ، ربما من كل أعمال العنف والشغب ، فهي صور هؤلاء المتظاهرين الشبان ، الذين أصروا على أن يغلقوا أبواب البرلمان بالحجارة والأسمنت .
اننا أمام لحظة تحول تاريخى دراماتيكى، لن يستطع أحد التنبأ بما يحدث لا فى فرنسا ولا فى عواصمنا العربية وان الاندفاع الفرنسى سيكون حافزا لدول اخرى كثيرة يعانى الناس فيها قدر ما يعانى المواطن الفرنسى وربما اكثر ولن يقف هذا المواطن او اصحاب الطبقة الوسطى كثيرا صامتين وسط تآكلهم وانهيارهم وتجويعهم وعجزهم عن سداد اقل ضروريات الحياة ....
على العراق وتونس ودول الخليج ومصر ان تنظر بتامل اكبر للواقع الفرنسى فى اطار الاقتصاد والاجتماع بحكمة وليس من قبيل التجريف المعرفى الذى يحدث قبل ان يحدث مالا يحمد عقباه ....
على هذه الحكومات ان تبحث عن سترات صفر تستر بها عوراتها قبل ان يكشف عن تلك العورات فى وضح النهار وفى قارعة الطريق ...

0 تعليقات
نرحب بتعليقاتكم